السبت، 6 يونيو 2026

الاسعار اسرار محسن الصفار

        في عالمنا العربي توجد أسرار كثيرة: مواقع القواعد العسكرية، وخطط أجهزةالمخابرات، وأكواد إطلاق الصواريخ النووية، لكن يبدو أن أخطر هذه الأسرار جميعاً هو… سعر سلطة التبولة.

فكل يوم تمتلئ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بإعلانات براقة لبيع كل شيء، من ربطة البقدونس إلى الفلل الفاخرة، ومن إبرة الخياطة إلى السيارات الفارهة. صور احترافية، وموسيقى حماسية، وكلمات من نوع: “عرض لا يُعوّض”، “فرصة العمر”، “لا تفوّت الفرصة”… لكن عندما تبحث عن السعر لا تجد شيئاً.

فتكتب بكل براءة:

* بكم؟

فيأتيك الرد الأسطوري:

* راسلنا على الخاص.

وكأنك لم تسأل عن سعر صحن حمص، بل طلبت الاطلاع على وثائق مشروع سري لتخصيب اليورانيوم.

تراسله على الخاص، فيرد بعد ساعتين:

* أهلاً وسهلاً أخي الكريم.

فتسأله مجدداً:

* كم السعر؟

فيرد:

* من أين حضرتك؟

فتجيبه.

فيرد:

* وما الكمية المطلوبة؟

فتجيبه.

فيرد:

* للاستخدام الشخصي أم التجاري؟

وبعد سلسلة تحقيقات قد تنافس تحقيقات أجهزة الأمن، يقرر أخيراً أن يمنحك هذا الشرف العظيم ويكشف لك الرقم السري المحفوظ في خزنة فولاذية منذ عهد الفراعنة: السعر.

وعندما تسأل أصحاب هذه الظاهرة عن سبب إخفاء الأسعار تأتيك الإجابة الجاهزة:

* حتى لا يعرف المنافس السعر.

وهنا تحتار: وهل المنافس مخلوق أسطوري لا يستطيع فتح حساب وهمي وإرسال كلمة “السعر لو سمحت”؟

المنافس سيعرف السعر خلال ثلاثين ثانية، أما الزبون الحقيقي فهو الذي سيهرب بعد ثلاثين ثانية.

المشكلة أن الزبون لا يريد أن يخوض رحلة استكشافية عبر الرسائل الخاصة ليعرف إن كان المنتج يناسب ميزانيته أصلاً. فإذا كان يبحث عن ثلاجة سعرها 500 دولار، فلماذا تقنعه بالدخول في حوار طويل ليكتشف في النهاية أن سعرها 5000 دولار؟

بل إن بعض الإعلانات ترتقي إلى مستويات أعلى من الغموض. تجد إعلاناً لشقة للإيجار، فيه عشرون صورة، وخريطة، ووصف للشروق والغروب واتجاه الرياح وعدد الحمامات وحتى أسماء القطط التي كانت تسكن البيت سابقاً، لكن السعر غير موجود.

وكأن المالك يخشى أن يكتب الرقم فتقوم الأمم المتحدة بإصدار قرار ضده.

أما الأجمل فهو عندما تجد عشرات التعليقات تحت الإعلان:

* السعر؟
* كم؟
* بكم؟
* السعر لو سمحت؟

وصاحب الإعلان يرد على الجميع بنفس العبارة المقدسة:

* تم الرد على الخاص.

فتشعر أنك تتابع اجتماعاً لجمعية سرية لا يُسمح لأعضائها بتبادل المعلومات أمام العامة.

ولو استمرت الأمور بهذا الشكل، فربما يأتي يوم نرى فيه محطات الوقود ترفع لافتة:
“سعر البنزين؟ راسلنا على الخاص.”

أو مطاعم تكتب:
“سعر السندويشة متوفر فقط للأعضاء الموثوقين.”

أو دوائر حكومية تعلق إعلاناً:
“رسوم المعاملة سرية للغاية حفاظاً على الأمن القومي.”

يا سادة، السعر ليس سراً عسكرياً، وليس وثيقة استخباراتية، وليس خطة لغزو كوكب المريخ. إنه مجرد رقم.

والرقم الذي يخجل صاحبه من نشره علناً، غالباً هو نفسه الرقم الذي سيجعل الزبون يهرب عندما يسمعه على الخاص
 

محسن العبيدي الصفار
@mohsensaffar

----

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكرك على الإطلاع على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ، ولو إسما مستعارا ; للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو مراعاة أخلاق المسلم ; حتى لا نضطر لحذف التعليق
تقبل أجمل تحية
ملاحظة :
يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..